الجواد الكاظمي

68

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

واجب في دين الربا بظاهر الآية وفي كل دين بالقياس عليه . ولعل نظر هذين القولين إلى أن الآية السابقة في بيان حكم الربا ، فيكون هذه فيه أيضا وفيه نظر ، فان آيات القرآن لا تعلق لبعضها ببعض ، وانما المناط فيها دلالة اللفظ فحيث ثبت ثبت الحكم . « وأَنْ تَصَدَّقُوا » على الغريم بإبراء ما في ذمته « خَيْرٌ لَكُمْ » من الأنظار أو مما تأخذونه لكثرة ثوابه وتضاعفه ودوامه « إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » حقيقة التصدق وما فيه من الثواب الجزيل والأجر الجميل والأنظار وما فيه أيضا فإنكم ترجحون التصدق عليه . ويحتمل أن يكون المراد ان كنتم من أهل العلم والتمييز . وفي الآية دلالة على صحة الإبراء بلفظ التصدق ، الا انه خلاف المشهور فيما بينهم . وفيها أيضا دلالة على أنه خير من الانظار . ولا يرد أن الانظار واجب والإبراء مستحب والمستحب لا يكون أفضل من الواجب ، لأن الإبراء جامع للنظرة والصدقة ، وظاهر أن الجمع بين الواجب والمندوب خير من الواجب وحده . واعترض بأنه مع الإبراء لا انظار ، إذ هو انما يكون مع بقاء الحق لا مع زواله ، فلا وجه للجمع بينهما . وأجيب بأنه لما كان الغرض من وجوب الانظار ترك المطالبة والتضييق على الغريم وهو متحقق مع الإبراء فكأنه جمع بينهما وكان الثواب المترتب عليه أكثر من ثواب الانظار وحده ، وهو كما ترى . والحق أن أفضلية المندوب على الواجب غير مستبعدة بل واقعة في أكثر الموارد فلا مانع من أن يكون هذا منها . وقيل أراد بالتصدق هنا الانظار ، لقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ( 1 ) « لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره الا كان له بكل يوم صدقة » . وهذا القول مرغوب عنه ، فإن الانظار قد علم ما تقدم ، فلا بد من حمل هذا على فائدة جديدة ، ولأنه لا استبعاد في كون الإبراء

--> ( 1 ) أخرجه في الدر المنثور ج 1 ص 369 عن أحمد عن عمران بن حصين عن النبي ( ص ) وأخرجه في الكشاف ج 1 ص 223 وفي الشاف الكاف المطبوع ذيله ذكر مصادره .